صبحي الصالح
54
مباحث في علوم القرآن
« وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ، وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا » « 1 » ، ويقول : « فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ » « 2 » وينهاه تارة أخرى عن الحزن نهيا صريحا ، كما في قوله : « فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ، إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ » « 3 » ، وقوله « وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ، هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » « 4 » . ويعلمه أحيانا أن الكافرين لا يجرّحون شخصه في نفسه ، ولا يتهمونه بالكذب لذاته ، وإنما يعاندون الحق بغيا من عند أنفسهم ، لأنهم شرذمة من الجاحدين تتكرر في كل عصر وجيل ، كما في قوله : « قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ، فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ » « 5 » . وفي تفسير هذه الآية يقول الحافظ ابن كثير : « يقول تعالى مسليا لنبيه صلى اللّه عليه وسلم في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه : « قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ » أي قد أحطنا علما بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم كقوله : « فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ » كما قال تعالى في الآية الأخرى : « لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ » ، « فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ ، أَسَفاً » . وقوله « فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ » أي لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر ، « وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ » أي ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم » « 6 » . وتكرار نزول هذه الآيات المسلية ، المعزية ، المرشدة إلى الصبر الجميل والأسوة الحسنة ، هو الحكمة المقصودة من إيراد أنباء الرسل وقصّ قصصهم . ولو استمر اضطهاد المشركين لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وانقطع عنه الوحي المثبّت لقلبه ، فلم يتجدد نزول الآيات المسلية له ، لشعر عليه السلام بما يشعر به
--> ( 1 ) سورة المزمل 10 . ( 2 ) سورة الأحقاف 35 . ( 3 ) سورة يس 75 . ( 4 ) سورة يونس 65 . وقد ينهى اللّه رسوله عن الحزن على الكافرين لجحودهم وعدم إيمانهم ، فيقول له : « وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ » كما في سورة الحجر 88 والنحل 126 والنمل 72 . ( 5 ) الأنعام 33 . ( 6 ) ابن كثير 2 / 129 . ونقل هذه العبارة السيد رشيد رضا في تفسير المنار 7 / 372 .